ليس عبثاً أن يحدث التسويف مراراً وتكراراً ، في كل يوم خميس ، لعملية إنتخاب رئيسٍ جديدٍ للبنان ، وهذا الأمر ليس محسوباً على رئآسة مجلس النواب ، ولا شخص واحد مؤثر ، أو كتلة نيابية من هنا أو هناك ، أو حتى طائفة أو مذهب معين ، فالأمر بكل بساطة ، أن القرار لم يأتِ بعد من أصحاب الشأن في الخارج ، أكان ذلك دولياً ، كأمريكا ومن معها من مطابخ القرار ، أو إقليمياً كإيران والسعودية .. ومن معهم من منفذي الشرق الأوسط الجديد ، وخاصةً المعنيين بالشأن اللبناني ، وجميعهم أكانوا بالداخل أو بالخارج ، في إنتظار العجلة التي تُدار وفق خارطة الطريق ، التي وضع رسمها وأسسها اللوبي الصهيوني ، لأجل أن يعمَّ السلام على الوضع اليهودي في الأراضي المحتلة وتتجسد الحكومة المتطرفة اليمينية بالكيان اليهودي ، من أجل أن تبدأ المرحلة الجديدة من العمل بخارطة الطريق لشرق أوسط جديد …
نتنياهو ..عندما كان بالمعارضة وقبل إنتخابه مجدداً ليكون رئيساً للحكومة اليهودية الجديدة ، قد أعلن بموقف جازم ، أن تسوية إتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان ، غير مقبولة وتُجحِف حقّ الكيان بالثروة النفطية ، وأنه سينسفها إن وصل إلى سُدَّة رئآسة الحكومة ، ولما وصل إليها، فقد أعلن أن هذه الإتفاقية تصُبُّ في مصلحة الكيان ، وأشاد بالوصول إليها ، حيث إنتزعت الدويلة ، ما تشتهي أنفس اليهود ، وبات لبنان مقيداً بإتفاقية دولية ترعاها العرَّابة أميركا ، حيث توزعت الأدوار خارجياً من خلالها ، وداخلياً من خلال الرؤساء الثلاثة ، الذين كانوا تحت مرمى الضابط اليهودي المفاوض آموس أوكشتاين ، حيث سجَّل الهدف المميت للبنان ، وثروته الضائعة بالخيانة العظمى ، ممن فرح بالتوقيع عليها وإعطائها لهم هديَّة العهد ، ومن دون وَعد …
ماذا يمكن للدولة اللبنانية ككل ، أن تعطي أو ترفد خارطة الطريق ، أكثر مما أعطت ؟؟؟ وهل العهد الجديد ، إن حصل وإنتُخِب رئيساً له ، أن يستطيع العطاء مع بداية حكمه وبدون تركيز وتجسيد لوضعه وزمرته وأنصاره ، على مفاصل ومواقع القرار فيه ، وهذا يتطلب وقتاً ليس بقصير ، في ظل الترتيبات والتسويات القائمة في المنطقة على قدَمٍ وساق ، حيث الإستحقاقات لها باتت داهمة وعلى أبواب الفصل الأخير من تطبيق خارطة الطريق ، التي تُفصِّل وتُقسِّم المنطقة العربية والإقليمية ، وفقاً لخطوطها العريضة والطويلة ، التي تتناسب مع الكيان اليهودي بالأمان والسلام …
من هنا .. حيث أن القرار بالإتفاق على رئيسٍ للجمهورية ، يأتي به الترياق من الخارج ، ومن المصادر الدولية ، وأيضاً وضع النظام اللبناني وفبركته ، بما يتناسب مع تسوية المنطقة ، أكان ذلك بإتفاق داخلي : عبر اللامركزية الموسعة ، كما جاء ببنود إتفاق الطائف ، أو بإتفاقٍ خارجي ، أو مؤتمرٍ دولي : بدعواتٍ تظهر عبر تصريحاتٍ أو مواقفَ بعض أركان السلطات المدنية والدينية ، كالحياد ، أو المثالثة ، أو الفيدرالية ، أو الإدارة المدنية ، وغيرها من نظريات ، ليصبح لبنان : لبنانات ، والكيان : كيانات ، والإمارة : إمارات ، فتتكرس : دولة الإمارات اللبنانية المتحدة ، (وكل مين إيدو إلو..) والقوي بقوته ، لندخل معها بمنطق قانون الغاب ، وهكذا …
من غير المستغرب أن يكون التسويف والمماطلة على أيدي المسؤولين اللبنانيين ، والكتل النيابية التي تمثل على الشعب ، وليس تمثل الشعب ، حيث بمعظمها تتلقى الأوامر من الأسياد ، الذين يوجهونهم من خارج لبنان ، وعليهم أن يتفننون بالتطبيق والتنفيذ ، إما من خلال طرح أسماءٍ لمرشحين هواة ، فقط للإستهلاك المحلي ، وإما لأسماء لا سبيل لها في هذا المنصب ، أو بأوراقٍ بيضاء تُسِرُّ السامعين ، وكأن الشعب اللبناني في حالة إستجمام ورحلة سياحية ، وهو في مسرح الجريمة ليشاهد التمثيل الفكاهي والمبتذل ، من ممثلين على الشعب وليس لهم ، قد جاؤوا من مسرحية الإنتخابات النيابية ، بأصوات تفضيلية قد سُرِقَت منهم بحِفنةٍ من الدولارات ، أو كرتونة من المأكولات ، أو دواء وحليب للأطفال ، قد فوَّتت عليهم ثورة الجوع والجياع ، وبات التغيير إلى الوراء ، بدل أن يكون إلى الغد الواعد وإلى الأمام مع وعودهم العرقوبية …
أين بات التغيير ، مع نوابٍ لا هَمَّ لهم إلا التعيير ، أو متنافسين بالتنظير ، والشعب غارِقٌ بالتعتير ، ويواجه حالاتِ سوء المصير ، فلا العدَّة ولا العديد قد نفع التغيير ، وبات لبنان بين الشهيق والزفير ، وجُلَّ ذلك بسبب كثرة البغالِ والحمير ، حيث إستغلوهم بالنفير ، وحولوا الثورة للرقص والهيصة والصفير ، فتراكمت الأزمات على الكبير والصغير ، دونما أيّ حلٍّ وتدبير ، حتى بتنا حائرين بين التحوير والتزوير …
التغيير بالعدة والعديد … لوجه لبنان الجديد …
